كيف تتشكل الأسعار على مستوى سوق الفن؟ فملاحظة الأسعار المدرجة ضمن قواعد المعطيات التجارية، على غرار “أرتبرايس” (Artprice) مثلاً، تعطي إنطباعاً لا يقاوم بأن الأمر لا يتعلق بسوق عالمية، ذات تنظيم عال وشفاف يناهز حجمها 1.58 مليار دولار (يوليو 2016 – يونيو 2017)، حيث السيادة لقانون العرض والطلب، ورغم ذلك، فإن كل شخص يطرح تساؤلاً عن كيفية التقييم الملموس لهذه الأشياء “التي لا تقدر بثمن”، يجد نفسه أمام جدار صمت كبير. ومن أجل محاولة توضيح الرؤية، حقق فريقنا من المختصين في علم الإجتماع خلال ثلاث سنوات لدى الفاعلين والشركاء في إحدى أبرز تظاهرات هذا العالم، وهو معرض بازل للفن الذي يمثل “أولمبياد الفن”، والذي ينتظم كل سنة في مدينة “بال، وفي “ميامي” وفي “هونج كونج” (1).

وفي مسعى لإدراك منطق وآليات هذا العمل،  يتعين أن تتجه في نظرنا إلى ما أبعد، أو بالأحرى إلى ما تحت الصفقات، التي تبرم تحت أضواء كبيرة وبميزانيات ضخمة تصور في إحتفالات مشهدية من قبل نجوم القطاع، مثلما هو الحال عندما تم في مايو الماضي إقتناء لوحة بريشة جان ميشال باسكيا بثمن 110.5 مليون دولار، والإهتمام بالآخرين، أي جمهور المهنيين “العاديين” في السوق الأولية (حيث يجد العمل المكتمل أو مقتن له، أساساً بوساطه صاحب قاعة عرض)، وأولئك العاملين في القطاع الأدني من السوق الثانوية (بالنسبة لعمليات إعادة البيع، خاصة بطريقة المزاد)، وتبرز اللقاءات التي جمعتنا بهؤلاء الأخيرين سلسلة متكاملة من القواعد الضمنية المخفية.

في المقام الأول، الأسعار ليست موضع نقاش: فليس هناك تخفيض، وليس هناك أسعار ترويجية، وتلك من العوائق التي تعودوا بها عامة وعن طواعية، لا سيما وأنها تخدم مصالحهم، مثلما يشهد بذلك صاحب قاعة عرض: “لدينا مثال صاحب مجموعة أعمال فنية كبير في النمسا يملك متاحفه الخاصة ويعمل في الفن بنفس الطريقة التي يعمل بها في القطاعات التي يصنع فيها ومنها ثروته، فمجموعته لا تتكون من أعمال فنية من الدرجتين الثالثة أو الرابعة، لأنه يطالب كل تاجر يتعاطى معه، بتخفيض ب 30%، وتبعاً لذلك، فإنه لا يشتري سوى القطع التي لم يتم بيعها، لأنه ليس هناك من صاحب قاعة عرض أو تاجر يقبل بالتفريط بنسبة 30% كتخفيض في مجموعة لوحات يمكنه بيعها في مكان آخر بثمن “باهظ”. وثانياً، يجب ألا تنخفض الأسعار مطلقاً، تروي مديرة متحف ألماني خاص كبير، أنه خلال فترة الذروة بين عامي 2006 و2008، وهي فترة عمليات مضاربة كبيرة شهدت مسارعة المقتنيين لشراء لوحات الفن المعاصر، وتضيف في هذا الخصوص قائلة “كان حجم الأعمال الفنية التي وضعت في المزاد أعلى ثلاث مرات من محتوى مجموعة اللوحات التي كانت بين أيدينا، وكان الجميع خائفاً من ألا تجد تلك اللوحات من يشتريها، لأنه عندما لا توجد لوحة ما من يقتنيها في المزاد، فإنها تسقط في دائرة الكساد … ومن مصلحة التاجر، دعم سمعه الفنان الذي يسوق لوحاته، عندها يقول لنفسه: إذا لم يكن هناك من أحد يريد هذه اللوحات، فإنني سأتولى شراءها بنفسي حتى بالمزاد وأضعها ضمن مخزوناتي، وخلال سنتين أو ثلاث سنوات، أعرضها للبيع، فكل واحد يريد إنقاذ سوقه”. وتلك إستراتيجية شائعة وواسعة الإستعمال.

أما القاعدة الأخرى، فهي تتمثل في أن عائد البيع يتم قسمته وفق أقساط متساوية بين الفنان وصاحب قاعة العرض، وذلك غالباً على قاعدة مجرد إتفاق شفاهي، ولكن مثلما يوضح ذلك صاحب قاعة عرض بزوريخ، “عندما يرتقي فنان غير معروف فجأه إلى مراتب الشهرة، فإنه ليس من النادر أن يقول لنفسه: ما دام عملي قد حظي الآن بالإعتراف، فلماذا أهدي نصف أرباحي إلى صاحب قاعة العرض الذي أتعامل معه؟”.

والتعريفات المرتفعة التي تسود ضمن المعارض الدولية الكبرى بكل من باريس وزوريخ أو لندن، لا تمثل قسط ضئيل – رغم كونها معروضة بإفراط – من مجمل الصفقات العالمية. وبحسب مدير إحدى أكبر شركات المزاد الألمانية، فإن معدل سعر الأعمال الفنية المتبادلة في قاعات البيع والمسوقة من قبل قاعات العرض لا يتعدى ثلاثة آلاف يورو (2)، وما يحدد حجم المبالغ، هو في المقام الأول خليط من التيقظ والتجربة، ومثلما تقول إحدى المعاونات “فإنه من العسير تقديم تفسير للأمر … وينتهي بنا الأمر إلى إكتساب ما يشبه الحاسة السادسة”.

إن الذي يريد تقدير ثمن عمل “لا يقدر بثمن” خرج للتو من ورشة الفنان، يتعين أن تتوفر لديه سلسلة واسعة من المقاييس والمعايير، فالمعطيات المادية تأتي في المقدمة، أي المادة التي صنع منها العمل، والوقت الذي أستغرقه إنجاز العمل، “عندما تمضي أسبوعين كاملين في إنجاز لوحتك بمعدل ست إلى ثماني ساعات يومياً، يمكنك أن تحتسب بدرجة تقريبية كلفة عملكم في الساعة، ثم تأتي لاحقاً الفكرة التي تدرجونها في هذا العمل، وهذا شيء لا يمكن لأي شخص أن يدفع لك مقابله”.

ولدى نفس الفنان، لا تفسر الإختلافات والفوارق في الأسعار، لا بالعرض، ولا بالطلب، ولا حتى بجودة الأعمال، إنما حصرياً بحجمها، ومثلما يوضح ذلك صاحب قاعة عرض سويسري “فعندما تكون اللوحات من نفس الحجم، فإن أسعارها يجب أن تكون متماثلة تقريباً بدورها، وتلك مهمة أسهر عليها، وفي الواقع، هناك عامل يدخل في اللعبة، وهو أن نحتسب المساحة لضرب الإرتفاع في العرض، وذلك ما يعطينا مساحة نضاعفها إستناداً إلى درجات تقييم خاصة بكل فنان”.

وتطرح لاحقاً مسألة شائكة: كيف نعدل مستوى الأسعار في سوق خاضع لقوانين العولمة حيث يحتل فاعلوا البلدان الصاعدة مكانة متنامية؟ فبعد مشاركتها الأولى في المعرض الدولي للفن المعاصر بباريس، صرحت صاحبة قاعة عرض مكسيكية قائلة “لقد كنت مصدومة بالأسعار، ولدى عودتي إلى مكسيكو قلت: يتعين على أن أضاعف أسعار لوحاتي ثلاث مرات إذا ما كنت أريد أن أدخل عضوية هذه السوق، وهكذا يتوجب عليك أن تعلن عن أسعار جد عالية، ففي ظرف ثلاث سنوات، يجد فنان أنطلق في بيع لوحاته بخمس آلاف دولار نفسه، في مستوى مائة ألف دولار للوحة، وهذا أمر مثير للدهشة، وبالنسبة إلينا يبدو الأمر على درجة من التعقيد لكوننا نملك سوقاً محلية، وليس بمقدوري أن أقول للفنانين الذين أتعامل معهم، وبصورة مفاجئة، بأن قيمة أعمالهم تعادل مائة ألف دولار، فالمنافسة الآن مدارها هو العمل الذي يحصل على ثمن، أنها اللعبة، ومن العسير أن نساير الركب عندما لا ندخل نادي كبار اللاعبين”.

وعلى غرار العديد من الفاعلين الذين قدموا من البلدان الصاعدة، لا تزال هذه المرأة الشابة تجد صعوبة كبيرة في شق طريقها عبر التناقضات والمفارقات التي تطبع السوق الكونية المزدهرة للفن، هذا “العالم المقلوب”، وفق تعبيرها، حيث يكون الثمن المُشط ضمانة للجودة.

وماذا عن رأي الشاري في طريقة تشكيل الأسعار؟ وأي منطق يجده لهذه العملية؟ لقد طرحنا هذه الأسئلة على عينة واسعة من مجمّعي الأعمال الفنية “نعم ذاك ما أود أنا أيضاً معرفته”، كما قال واحد منهم ضاحكاً، “وعملياً، أنا لا أفهم شيئاً، وقبل وقت غير طويل أمكن لي الحصول على لوحة لفنان ما كانت وقتها تساوي ثمناً قدره 300 ألف يورو، أما اليوم فإن ثمنها يبلغ 1.5 مليون يورو، لم أشتر تلك اللوحة لأنها كانت باهظة الثمن، لكن أيضاً لأنه لم يكن هناك من يريد إقتنائها، كما أقتنيت منحوتة من الخشب من أحد الفنانين مقابل 2000 يورو، على ما أتذكر، وإثرها أنتظم معرض بنيويورك، والثمن الذي يمكن به بيع مثل هذه المنحوتة، يعادل حالياً 36 ألف يورو”.

وفي منزل هذا المجمع للأعمال الفنية، كما لدى غالبية من تحدثنا إليهم، فإن الباعث على الفخر، هو إمتلاك قطع غير ذات قيمة مادية صافية يقاس ثمنها وفقاً لمعطيات محاسبية بحتة، وفي هذه البورصة ذات رأس المال الرمزي، يعتبر الخاسرون أكثر من الرابحين، مثلما يؤكد ذلك مستشار هولندي متخصص في المجال، إذ يقول: “بعد عشر سنوات يمضونها في الإستثمار في الفن، يقوم الكثيرون بإعادة بيع مجموعاتهم دون تحصيل أرباح، وما أقتنيتم عملاً تبعاً لحاسة الشم، فإن الثراء لن يطرق بابكم”.

وبالفعل “فإن سوق الفن يسيرها عن بعد اللاعبون الكبار، فهم يعرفون كيف يتدخلون، وأين يضعون أموالهم، وهم ينجزون عمليات لا يفهم غالبية الناس كننها، خذ واحداً منهم (رجل صناعة مشهور وصاحب مجموعات فرنسي): ذات يوم قرر أن يراهن على فنان شاب، فقام بشراء 15 لوحة من أعماله وأختار واحدة ليضعها مباشرة في السوق بمناسبة عملية بيع كبرى لدى مؤسسة كريستيز تلك الحيلة تتمثل في كونه يطلب من صديق له المزايدة على هذا العمل، ويقول له إعمل على الزيادة في السعر أقصى ما يمكنك، سأعيد لك الأموال التي تدفعها  والنتيجة هي أن عملاً منجزاً في فترة الشباب يساوي عشرة آلاف يورو، يتم تداوله في السوق في حدود 200 ألف يورو.

في الحقيقة يشك المتعودون على السوق بأن في الأمر سراً، غير أن البعض الآخر يعتقد، ويقول للأسف، كان بإمكاني العام الماضي أن أقتنى هذا العمل بعشرة آلاف يورو، لكن سعره اليوم تضاعف عشرين مرة، وعندها يرتمون على أعمال هذا الفنان، وهكذا تتحقق هذه النبوءة المنجزة ذاتيا”.

من المسلم به أن هذه القصة هي من قبيل الأساطير والخرافات المتصلة بالفن المعاصر، لكن الشهادات تبرهن على وجود ممارسات تجارب مخفية وغير سليمة تتكرر غالباً في روايات مخاطبين، أياً كانت البلدان التي يعملون فيها، أو طبيعة مواقعهم في سوق الفن، إلى حد يحملنا على إضفاء بعض المصداقية على رواياتهم.

فالميكانيزمات التي تم الكشف عنها في هذه الروايات تؤثر بصورة ضمنية غالباً عند عملية البيع، فهي قطعاً لاتمثل ظواهر ثانوية، وإنما ممارسات جد نمطية لسوق غير نمطي بقدر كبير، حيث تتجلى أسباب تعيش من أشكال قديمة للإدماج والتهميش الإجتماعيين، “إن ما يجري هو أن هذه الثقافة التي تشهد إقبالاً كبيراً، لا تباع اليوم فهي تستند وتنقل مثلما يؤكد ذلك مجمّع أعمال فنية سويسري ذو مكانة هامة إذ أنه يتعين عليك أن تكون جزءاً لا يتجزأ من المنظومة من أجل الإستجابة لمعايير الإسناد، وبدون ذلك لن يتبقى أمامك سوى تسديد ثمن ثقافتك من جيبك، وهو ما يفسر بعض الأسعار في عمليات المزاد: فالمقتنون في مثل هذه الحالات هم أولئك الذين لا ينتمون إلى المنظومة، والأعمال الفنية تكون محل تنافس بينهم تماماً مثل جامعي القمامة”، وهو يبرر هذه الممارسة الإقصائية بمثل من ثقافته المحلية يقول: “من يريد شراء الثقافة، يجب أن يكون ذا ثقافة”.

وفي المحصلة، تكون الثقافة إذن “هذا الشيء الذي لا يمكن المال وحده شراؤه”؟ ومن وجهة نظر أصحاب قاعات العرض وفي كل الحالات، فإن الحجج الداعمة لإستراتيجية إنتقاء العملاء كثيرة ومتعددة، وبهذه الطريقة، يبرر مالك إحدى قاعات العرض الضخمة في لندن الخط الفاصل بين فاعلين الشرعيين والفاعلين الغير شرعيين في السوق، يقول في هذا الصدد ” هل يصادفني أن أرفض البيع لأحدهم يأتي لزيارتي؟ نعم هذا ما يحصل لي، فأسعار السوق الأولية هي عامة بكثير من أسعار السوق الأولية هى عامة أدنى بكثير من أسعار السوق الثانوية، وبعض مجمّعي الأعمال الفنية يستفيدون من هذه الأسعار لأسباب متصلة حصرياٍ بالمضاربة وأنا لا أرى داعياً لأن أبيع لهم أعمالي”.

وفي حين أن السوق العادية تمثل بالنسبة لماكس فيبر عالماً لا يعطي “إعتبار وقيمة إلا للأشياء، ولا يعطي أي قيمة للأشخاص (3)”، فإن الأمر هو على العكس تماماً على  مستوى سوق الفن، حيث يكون المشتري محور إهتمام متواصل فنحن لا ننتظر منه فقط أن يكون قادراً على السداد، وإنما ننتظر منه أيضاً أن يبرهن على أنه جدير بالثقة وواع بإختياراته ومستعد لإقتناء عمل لأسباب أخرى غير الطمع في الربح. وبالنسبة لصاحب قاعة العرض، كما بالنسبة للفنان، فإن الأمر يتعلق بأن يتيقن مثلاً بأن العميل لن يسارع إلى الإنخراط في المزادات من أجل إعادة بيع اللوحة التي إقتناها قبل وقت قصير بسعر جيد، أو أسوأ من ذلك، أن يفشل في أن يقتنيها، ما يجر خطر تشويه جسيم لسمعة الفنان.

فرانز شولتيس
عالم إجتماع، أشترك مع إروين سينجل ورافائيلا وتوماس مازورانا في تأليف كتاب “الفن بلا حدود! ديناميكيات وتناقضات عالم الفن المعولم”. (Unlimited dynamics and paradoxes of a globalizing art world)، نشر “ترانسكريبت”، بيلفيلد، 2016.

الهوامش:

  1. إقرأ فرانز شولتس وإيروين سينجن وستيفان إيجر وتوماس مازورانا، “عندما يلتقي الفن النقود، لقاءات في معرض بوخاندلونج، والتر كونيج، كولونيا، 2015، أنجزت اللقاءات في ظل شرط عدم الإفصاح عن الهوية.
  2. بلغ متوسط سعر الأعمال الفنية ال 57100 (لوحات تشوتس منحوتات، منقوشات، رسومات، صور فوتوغرافية، فيديوهات التي تم شراؤها في قاعات البيع بين يوليو 2016 ويونيو 2017، 1314 دولار للعمل الواحد وفق مؤسسة “أرتبرايس”.
  3. ماكس فيبر، “الإقتصاد والمجتمع”، المجلد 1، السيسيولوجيا، نشر دار بلون، باريس، 1971.

المصدر: مجلة لوموند دبلوماتيك ملحق الأهرام المصري

 

عن الكاتب

فريق التحرير

إترك تعليق